الشيخ محمد حسن المظفر
9
دلائل الصدق لنهج الحق
ثمّ ما ذكر من المتواتر ، فإن ادّعى أنّه متواتر عند أهل السنّة والجماعة ، فقد بيّنّا بطلانه ، وأنّه ليس حديث متواتر عندنا إلَّا ما ذكرناه [ 1 ] .
--> [ 1 ] إنّ تعريف الفضل هذا للتواتر بقوله : « لا يمكن للعقل أن يحكم بتواطئهم على الكذب » فيه تأمّل . والأولى أن يقال في تعريفه : « هو خبر جماعة يحصل بإخبارهم العلم ، ويبلغوا من الكثرة بحيث يمتنع عادة تعمّدهم واتّفاقهم على الكذب » . وقد خفي على الفضل بأنّ للتواتر أقساما ، فمنها : التواتر الإجمالي : وهو أن يوجد بين مجموعة الأخبار - وإن اختلفت ألفاظها - ما تشترك به ، فيكون المشترك بينها متواترا إجماليا . التواتر المعنوي : وهو أن تتّفق الأخبار معنى لا لفظا ، كعلمنا بشجاعة الإمام عليّ عليه السّلام ، وكرم حاتم الطائي ، وإن اختلفت الصور الناقلة لمواقف عليّ عليه السّلام في حروبه ، وحالات حاتم في إكرامه ، ولكنّ مجموعها يفيد العلم بأنّ عليّا عليه السّلام كان شجاعا ، وأنّ حاتما كان كريما . التواتر اللفظي : وهو أن تتّحد ألفاظ المخبرين في خبرهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وبلدانهم . أمّا عدد المخبرين ، فقد حدّده ابن حزم بأربعة ، واشترط الباقلَّاني بأن يكونوا أكثر من أربعة ، ومنهم من قال : سبعة ، على عدد الأفلاك ؛ ومنهم من قال : إنّ أقلَّه عشرة ؛ لأنّه أوّل جموع الكثرة ، كالإصطخري ؛ ومنهم من قال : اثنا عشر ، عدد نقباء بني إسرائيل ؛ وحكي عن أبي الهذيل العلَّاف أنّ أقلَّه عشرون ، وقيل أكثر من ذلك . وكل هذا كلام غير سليم ؛ لأنّ المعيار في ذلك هو حصول العلم بعدم تعمّد الكذب ، وكلّ ذلك يعتمد على نوع الخبر المنقول وخطره ودقّته . . إلى غير ذلك ، ويشترط فيه استواء الوسط والأطراف ، مضافا إلى الحسّ . أمّا قوله : « اتّفق جميع المحدّثين أنّه ليس حديث متواتر إلَّا قوله صلَّى اللَّه عليه واله وسلم : « من كذب عليّ متعمّدا . . . » . . فقد سبقه ابن الصلاح إلى ذلك ، وردّ عليه السيوطي في تدريب الراوي 2 / 178 - 180 ، فقال : « ما ادّعاه ابن الصلاح من عزّة التواتر ، وكذا ما ادّعاه غيره من العدم ، ممنوع ؛ لأنّ ذلك نشأ عن قلَّة الإطَّلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على الكذب ، أو يحصل منهم اتّفاقا . . . قال : ومن أحسن ما يقرّر به كون المتواتر موجودا وجود كثرة في الأحاديث ، أنّ الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا ، المقطوع عندهم بصحّة نسبتها إلى مؤلَّفيها ، إذا اجتمعت على إخراج حديث ، وتعدّدت طرقه تعدّدا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب ، أفاد العلم اليقيني بصحّته إلى قائله . . . قال : ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير . قلت : قد ألَّفت في هذا النوع كتابا لم أسبق إلى مثله ، سمّيته : ( الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة ) ، مرتّبا على الأبواب ، أوردت فيه كلّ حديث بأسانيد من خرّجه ، وطرقه ، ثمّ لخّصته في جزء لطيف سمّيته : ( قطف الأزهار ) ، اقتصرت فيه على عزو كلّ طريق لمن أخرجها من الأئمّة ، وأوردت فيه أحاديث كثيرة - ثمّ ذكر مجموعة من الأحاديث ، إلى أن قال : - كلَّها متواترة في أحاديث جمّة أودعناها كتابنا المذكور ، وللَّه الحمد » . وللزبيدي صاحب « تاج العروس » كتاب « لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة » ، أخرج فيه أكثر من سبعين حديثا متواترا ، واستدرك الكتّاني على السيوطي في كتاب « نظم المتناثر من الحديث المتواتر » ، وللشيخ نوح الحنفي رسالة في الأحاديث المتواترة . وبعد هذا كلَّه هل يصحّ أن يقال : ليس حديث متواتر إلَّا قوله صلَّى اللَّه عليه واله وسلم : « من كذب عليّ متعمّدا . . . » ؟ ! انظر : مقدّمة ابن الصلاح : 157 ، المنهل الروي : 31 - 32 ، لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة : 17 وما بعدها ، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 2 / 176 - 178 ، مقباس الهداية 1 / 92 وما بعدها .